الشيخ محمد رشيد رضا

440

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ليتذكر الذين يدعون اتباعه من اليهود والنصارى والعرب ما كان عليه من الكمال ، وما هم عليه من النقص ، ولذلك ذكر أهل الأثر ان هذه الآية نزلت في سياق الرد على أولئك المتفاخرين بدينهم المتبجح كل منهم بأنه على ملة إبراهيم . والمعنى ان إبراهيم قد اتخذه اللّه خليلا بأن من عليه بسلامة الفطرة وقوة العقل وصفاء الروح وكمال المعرفة بالوحي والفناء في التوحيد ، فأين أنتم من ذلك ؟ ولا تكاد توجد كلمة في اللغة تمثل هذه المعاني غير كلمة الخليل ، واما لوازم هذه الكلمة في استعمال البشر التي هي خاصة بهم فينزه اللّه عنها بأدلة العقل والنقل . ثم قال عز وجل * * * وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً قال لأستاذ الامام : - ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد ( إحداها ) التذكير بقدرته تعالى على انجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فان له ما في السماوات والأرض خلقا وملكا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد ( ثانيها ) بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه اليه في كل حال ، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئا ، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربه منه ؟ ( ثالثها ) نفي ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ اللّه إبراهيم خليلا - كأن يتوهم أحد ان هنالك شيئا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات ، فبين تعالى ان كل ما في السماوات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض . فإذا هي نسبت اليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً إحاطة قهر وتصرف وتسخير ، وإحاطة علم وتدبير ، قال الأستاذ الامام : فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن تكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها ، ولا هي ابتدعت نفسها وانما وجودها مستمد من ذلك الوجود